
المنشور الأصلي
فيسبوك
المنشور الأصلي هو المرجع المعتمد.
حكومة الوحدة الوطنية...
حكومة (الواجب الوطني)
تابعت باهتمام شديد مثل العديد من التونسيين إعلان الرئيس الباجي قائد السبسي في حواره على القناة الوطنية عن مبادرة سياسية تتمثل في الدعوة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تستجيب لمقتضيات مرحلة يجمع التونسيون على خطورتها...
وبهذه المناسبة أود التفاعل مع هذه المبادرة القيمة التي وإن تأخرت شيئا ما فإنها تشكل حدثا سياسيا بارزا لا بد أن نسهر جميعا على إنجاحه بما يمليه علينا واجب المسؤولية الوطنية في هذا الظرف الدقيق الذي تعيشه بلادنا.
أولا ومن ناحية الشكل:
لا بد من الإشادة بالجرأة والشجاعة اللتين تحلى بهما رئيس الجمهورية الذي تحمل مسؤوليته كاملة في ظرف عصيب لا يحتمل الانتظار...وهذا في حد ذاته يعتبر ردا للاعتبار لوظيفة الرئيس التي همشت وأضعفت في نظام سياسي تضررت فيه السلطة حتى تساءل التونسيون هل في سفينة الوطن من ربان...من قائد يبين الوجهة ويطمئن التونسيين.
لكن الشجاعة مثل المسؤولية لا تحتمل القسمة ولا تحتمل الشبهة...وعلى الرئيس أن لا يكون قوة اقتراح فقط بل يجب أن يكون أيضا ولاسيما ضامنا لنجاح المبادرة ويسهر على حسن إدارتها من مرحلة النقاش إلى مرحلة التنزيل والتنفيذ...دون أن يكون ذلك مخالفا لروح الدستور ناهيك أنه سيكون مدعما بشرعية شعبية من منطلق توق التونسيين إلى حلول جذرية لتحسين أوضاعهم...
هذا من ناحية الشكل أما من ناحية المضمون فلا بد من تحديد مفهومنا لحكومة الوحدة الوطنية...فالسؤال الجوهري الذي يجب أن نجيب عنه قبل أن ننخرط في مغامرة مجهولة العواقب: هل أن حكومة الوحدة الوطنية هي مجرد معادلة حسابية تتجسد فيها أكبر مشاركة سياسية ممكنة.. وهذا لن يغير من الأمر شيئا، فقد حظيت حكومة الصيد الأولى فالثانية بأغلبية سياسية ونيابية ساحقة ولكنها افتقدت إلى سند جماهيري واسع...والتجربة علمتنا أنه كلما توسعت المشاركة (الترويكا والرباعي والمستقلين...) كلما تعطل القرار وتأجلت الإصلاحات...
الأفضل أن نقدمها كحكومة راعية وداعمة وحاضنة ومجسدة لقيمة الوحدة الوطنية...قيمة يجمع التونسيون على أنها سلاحنا في معاركنا ضد الإرهاب والفقر والتهميش والحيف الاجتماعي والفساد والتهريب...فما معنى أن تكون الحكومة متآلفة ويكون الشعب ممزقا ومقسما إلى فئات وقبليات وطبقات...
أخطر فيروس يمكن أن تصاب به هذه المبادرة هو أن تنحرف بها النرجسيات والمصالح الفئوية لتعود بها إلى مربع سئمه ومجه التونسيون: مربع المحاصصة...
لعله من المفارقات أن نجاح المبادرة يكمن في حكومة تقف على مسافة واحدة من الجميع...لتحصل على أوسع دعم من الجميع...
هي ليست حكومة أحزاب ولكن حكومة مدعمة من الأحزاب...هي حكومة فعل و مهام واصلاحات جذرية لا حكومة تشريف و اقتسام...هي حكومة إدارة المستعجل لا حكومة المؤجل و ربح الوقت.
ولعل أفضل تسمية ربما تليق بمثل هذه الحكومة هي حكومة "الواجب الوطني"...
Gouvernement du « devoir national »
فحكومة "الواجب الوطني" تقتضي أن لا يتشبث الرباعي الحاكم بحصته من الحكم وأن لا يتخلى المعارض بحجة عدم رغبته في اقتسام الفشل...حكومة "الواجب الوطني" هي حكومة تكلف بمهام وتقوم على أولويات واستحقاقات وتتحدد بأهداف وتضبط بوقت...وبعد أن تحدد المهام والوظائف ومن سيقوم عليها( بعيدا عن الاعتبارات الحزبية) تحصل الحكومة على أوسع دعم سياسي و مدني و شعبي ممكن وهنا فقط يمكن أن نصفها بحكومة الوحدة الوطنية ...و لعل هذا يقترب من موقف الاتحاد العام التونسي للشغل الذي يرى نفسه شريكا في الحوار وبلورة التصور لا في الحكم.
حكومة "الواجب الوطني" هي حكومة يتحقق فيها التوازن بين قيمتين القوة و العدل...قيمتان أشار إليهما الرئيس بضرورة تجسيم دولة القانون..#الدولة القوية... التي لا تتردد في تطبيق القانون على الجميع ولكنها دولة عادلة أيضا في قضائها وحسن توزيعها لثرواتها...
حكومة "الواجب الوطني" هي حكومة لا يقسم فيها الفشل ولا تقسم فيها الغنائم...هي حكومة يقسم فيها تقسيما عادلا مبدأ لا يحتكره أحد ولا يقصى منه أحد: الوطنية.
إذا أردنا أن نذهب بعيدا في هذه المبادرة فعلينا أن نقبل بإشراف رئاسة الجمهورية على حوار يتعلق بالمهام والأولويات ورسم خطة الطريق ثم اختيار الرجل الأنسب والفريق الأفضل لتنفيذ ما يحتاجه التونسيون ويتفق عليه المتحاورون في أجل محدد ....
رئيس الجمهورية له الفرصة التاريخية للاتعاظ من تجارب الماضي القريب وقلب المعادلة وتغليب المنطق السليم: وذلك بتحديد الأفكار والمشاريع والبرامج ثم بعد ذلك اختيار الأشخاص...أما إذا انتصر الأشخاص من جديد وعادوا لتغليب الطموحات والنرجسيات على المشاريع والبرامج فنكون بذلك قد ضيعنا على تونس فرصة للتدارك والإقلاع ووقتا ثمينا قد لا يعود أبدا.
منذر الزنايدي